عدتنا هي عدة سلفنا من قبل ، والسلاح الذي غزا به زعيمنا وقدوتنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته معه العالم ، مع قلة العدد وقلة المورد وعظيم الجهد ، هو السلاح الذي سنحمله لنغزو به العالم من جديد . - لقد آمنوا أعمق الإيمان وأقواه وأقدسه وأخلده ، بالله ونصره وتأييده :" إن ينصركم الله فلا غالب لكم " آل عمران - وبالقائد وصدقه وإمامته : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" الأحزاب . - وبالمنهاج ومزيته وصلاحيته : " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام " المائدة . -وبالإخاء وحقوقه وقدسيته : " إنما المؤمنون اخوة " الحجرات . - وبالجزاء وجلاله وعظمته وجزالته : " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأوون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ، إن الله لا يضيع اجر المحسنين " التوبة . - وبأنفسهم : فهم الجماعة التي وقع عليها اختيار القدر لإنقاذ العالمين ، وكتب لهم الفضل بذلك ، فكانوا خير أمة أخرجت للناس . لقد سمعوا المنادي ينادي للإيمان فآمنوا ، ونحن نرجو أن يحبب الله إلينا هذا الإيمان ، ويزينه في قلوبنا كما حبب إليهم ، وزينه من قبل في قلوبهم .
فالإيمان أول عدتنا ؟
ولقد علموا أصدق العلم وأوثقه ، أن دعوتهم هذه لا تنتصر إلا بالجهاد ، والتضحية والبذل وتقديم النفس والمال ؟ فقدموا النفوس وبذلوا الأرواح ، وجاهدوا في الله حق جهاده ، وسمعوا هاتف الرحمن يهتف بهم ... " قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومسكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره " التوبة . فأصاخوا للنذير ، وخرجوا عن كل شيء ، طيبة بذلك نفوسهم ، راضية قلوبهم ، مستبشرين ببيعهم الذي بايعوا الله به .. يعانق أحدهم الموت وهو يهتف . ركضا إلى الله بغير زاد . ويبذل أحدهم المال كله قائلا : أبقيت لعيالي الله ورسوله . ويخطر أحدهم والسيف على عنقه : ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي
كذلك كانوا .. صدق جهاد ، وعظيم تضحية ، وكبير بذل ، وكذلك نحاول أن نكون !. فالجهاد من عدتنا كذلك ونحن بعد هذا كله واثقون بنصر الله ، مطمئنون إلى تأييده : " ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور" الحج .
بين الخيال والحقيقة سيقول الذين يسمعون هذا إنه الخيال بعينه وإنه الوهم ، وإنه الغرور ، وأنى لهؤلاء الذين لا يملكون إلا الإيمان والجهاد أن يقاوموا هذه القوى المتألبة المجتمعة ، والأسلحة المتنوعة المختلفة ، وان يصلوا إلى حقهم ، وهم بين ذراعي وجبهة الأسد . سيقول كثيرون هذا ، ولعل لهم بعض العذر ، فهم قد يئسوا من أنفسهم ، ويئسوا من صلتهم بالقوي القادر . أما نحن فنقول أنها الحقيقة التي نؤمن بها ونعمل لها ، ونحن نقرأ قول الله تعالى : " ولا تهنوا في ابتغاء القوم ، إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ، النساء . وإن الذين فتحوا أقطار الدنيا ، ومكن الله لهم في الأرض من أسلافنا لم يكونوا أكثر عددا ، ولا أعظم عدة ؟ ولكنهم مؤمنون مجاهدون ، ونحن سنعتد اليوم بما اعتد به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قال : بشر خبببا بظهور هذا الأمر حتى يسير الركب من عدن إلى عمان لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه " وكانوا إذ ذاك يستترون. ويوم وعد سراقة بن مالك سوار في كسرى ، وكان مهاجرا بدينه ليس معه إلا ربه وصاحبه. ويوم هتف مطلعا على قصور الروم البيضاء ، وقد حاصره المشركون في مدينته بجنود من فوقهم ومن اسفل منهم : " وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر" الأحزاب . ثم ماذا كان بعد ذلك ؟ كان أن أصغى مسمع الدهر لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترددت في فم الزمان آيات قرآنية ، وأشرقت شموس الهداية في حل مكان من قلوب أصحابه وأتباعه ، وعم الكون نور ، ورفرف على الدنيا سلام ، وتذوقت الإنسانية حلاوة السعادة بعدالة الحكم ، وأمن المحكوم في ظل هذا الرعيل الأول من تلامذة محمد صلى الله عليه وسلامه ، وفتحت قصور الروم ، ودانت مدائن الفرس ، ومدت الأرض بأعناقها ، وألقت بجرانها وزويت أكنافها ، واستسلمت مختارة للهداية المنقذة ، ترف عليها أنفاس النبوة ، وتمازجها أنفاس الوحي المقدس ، وتحف بها رحمة الله من كل جانب : " ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ، وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا ، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطأوها وكان الله على كل شيء قديرا" الأحزاب . سنعتد أيها الناس اليوم بهذه العدة ، وسننتصر كما انتصر أسلافنا بالأمس القريب ، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ، وسيتحقق لنا وعد الله تبارك وتعالى : " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض " القصص . " فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " الروم.